نقف اليوم، في منتصف عام 2026، أمام مشهد وظيفي شديد التعقيد؛ إذ أعاد الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) تشكيل خارطة الكفاءات البشرية، جاعلاً من نموذج "التدريب التقليدي المتقطع" إرثاً من الماضي. في هذا الواقع الجديد، تواجه المؤسسات التي تعتمد على حشو المعلومات في قاعات مغلقة خطر التقادم السريع؛ إذ تشير المعطيات الحالية إلى أن السؤال المحوري لقادة الموارد البشرية قد تحول جذرياً من "كم دورة قدمنا؟" إلى "كم سلوكاً طورنا؟".
نحن نشهد الآن ولادة حقبة "التحول المهني المستمر"؛ إذ يذوب الفارق بين العمل والتعلم، ويصبح تطوير الموظفين عملية ديناميكية مدمجة في صلب المهام اليومية، تهدف لبناء عقليات مرنة قادرة على "إعادة اختراع الذات" (Self-Reinvention) بنفس سرعة تطور الخوارزميات.
تكشف البيانات الصادرة عن مؤسسات الأبحاث عن فجوة هيكلية في العائد من الاستثمار التدريبي التقليدي، تُعرف بظاهرة "التعلم المُهدر" (Scrap Learning). تشير هذه الظاهرة إلى أن نسبة تتجاوز 45% من محتوى الدورات التدريبية لا يتم تطبيقها مطلقاً في بيئة العمل، ويعود ذلك لعدة عوامل تتجاوز جودة المحتوى لتشمل توقيت وطريقة تقديمه:

يتطلب فهم محدودية الأثر في النموذج القديم تحليلاً عميقاً للجذور المنهجية التي بُني عليها؛ إذ نجد ثلاثة محركات رئيسة تعوق تحول التدريب إلى أداء ملموس:
لقد كثفت المؤسسات استثماراتها لسنوات طويلة في صقل المهارات التقنية الصرفة، متجاوزة بذلك الرؤية الاستشرافية لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF)؛ إذ صنف التقرير الجدارات البشرية العميقة، كالذكاء العاطفي والتفكير النقدي والمرونة المعرفية، باعتبارها العملة الأندر والأكثر قيمة في عصر الأتمتة. وعليه، فإن اختزال مفهوم تطوير الموظفين في الجانب التقني وحده يخلق فجوة استراتيجية عميقة، مما يحرم المؤسسة من بناء كوادر قادرة على القيادة الملهمة وصناعة الابتكار الحقيقي الذي تعجز الآلة عن تقديمه.
تتعامل عديدٌ من الإدارات مع تطوير الموظفين كحدث منعزل زمنياً، متجاوزة بذلك جوهر نموذج (70-20-10) الذي طوره مركز القيادة الإبداعية (CCL). وتؤكد هذه المنهجية أن 10% فقط من التعلم يتم داخل القاعات، في حين تكتسب النسبة العظمى والبالغة 90% بالاحتكاك الاجتماعي والتحديات الوظيفية المباشرة، مما يجعل الدورات المنفصلة بحاجة ماسة للسياق التطبيقي العميق لضمان رسوخ المعلومة وتحولها لسلوك.
يشكل الإصرار على تقديم محتوى تدريبي بنمط "المقاس الموحد" (One-size-fits-all) تحدياً جوهرياً، كونه يتجاوز الفروق الفردية الدقيقة والطموحات المهنية الخاصة بكل موظف. كما يساهم هذا النهج النمطي في بناء حاجز نفسي ملموس؛ إذ يتحول تطوير الموظفين في نظر الموظف من فرصة للنمو إلى عبء وظيفي إضافي منفصل عن تحدياته اليومية، مما يؤدي مباشرةً تراجع دافعيته الداخلية ويحد من قدرته على الانخراط العميق والاستفادة القصوى من العملية التعليمية برمتها.

يكمن الحل الجذري في تبني منهجية "التعلم في تدفق العمل" (Learning in the Flow of Work)، وهو المفهوم الذي صاغه الخبير العالمي "جوش بيرسين" (Josh Bersin)، والتي تعيد تعريف تطوير الموظفين كرحلة مستمرة تتسم بالخصائص التالية:
يتطلب الانتقال من النظرية إلى التطبيق تفعيل مجموعة من الطقوس العملية (Rituals) التي تضمن دمج التعلم في النسيج اليومي للمؤسسة، جاعلة من تطوير الموظفين عادة يومية:
لضمان تطوير الموظفين المستمر، بادر باعتماد منهجية التغذية الراجعة للمستقبل (Feedforward) للمفكر "مارشال جولدسميث" كبديل حيوي عن جلسات التقييم التقليدية؛ إذ يرتكز هذا الأسلوب على توجيه دفة الحوار بذكاء نحو استثمار الفرص القادمة، من خلال سؤال محوري: "كيف نوظف تجربة اليوم لتحسين نتائج الغد؟". ويساهم هذا التحول الإيجابي في إعادة صياغة مفهوم الخطأ ليصبح وقوداً للتعلم، مما يعزز مستويات السلامة النفسية داخل الفريق ويدفعهم بقوة نحو تبني ثقافة التجريب والابتكار المستدام.
استثمر قوة التعلم الاجتماعي من خلال تطبيق نظرية المنظر التربوي إتيان فينجر (Etienne Wenger) حول مجتمعات الممارسة، وذلك بتأسيس حلقات خبرة داخلية متخصصة تجمع الكفاءات التي تتشارك الشغف في مجالات حيوية مثل تحليل البيانات أو القيادة. توفر هذه البيئات الحاضنة مساحة آمنة نفسياً تتيح للأعضاء تبادل المعرفة الضمنية (Tacit Knowledge) وأسرار المهنة الدقيقة، مما يسهل تحويل التحديات المعقدة إلى حلول عملية مشتركة، ويرسخ بذلك ثقافة التعلم المستمر والابتكار الجماعي كأسلوب عمل يومي.
في مواجهة تحديات "تشتت الانتباه الرقمي" المتزايدة، أكدت الدراسات الحديثة الفاعلية القصوى لاستراتيجية "الجرعات المعرفية المكثفة" كحل أمثل للتعلم. لذا، بادر بتخصيص نافذة زمنية لا تتجاوز 15 دقيقةً يومياً لفريقك لاكتساب مهارات دقيقة من خلال محتوى تفاعلي ذكي؛ إذ يضمن هذا النهج المرن تحقيق نمو مهني مستدام ومتراكم، محافظاً في الوقت ذاته على انسيابية وكفاءة العمليات التشغيلية اليومية.
تجاوز الآن حدود مقاييس الحضور التقليدية الشكلية، وانتقل بجرأة لقياس الأثر العميق باعتماد "مؤشر الانغماس" (Engagement Index) كمعيار جوهري للنجاح. ويتيح لك هذا التحول الاستراتيجي مراقبة مستويات تطبيق المهارات المكتسبة في المشاريع الحيوية بدقة، وربط مخرجات التعلم مباشرة بمؤشرات الأداء المؤسسي (ROI)، وتمنحك هذه الرؤية التحليلية القدرة الكاملة على تحديد العائد الاستثماري الحقيقي لكل ساعة تعلم، مما يحول العملية التدريبية إلى رافد أساسي لتطوير الموظفين والنمو المستدام.

ختاماً، يُعد الإعلان عن انتهاء هيمنة الدورات التقليدية في عام 2026 إعلاناً عن نضج الفكر الإداري، وانتقاله من شكليات التدريب إلى عمق التمكين. فالقادة الذين يدركون اليوم أن تطوير الموظفين هو استثمار في بناء نظام بيئي متكامل للتعلم هم وحدهم القادرون على ضمان استدامة مؤسساتهم. لذا، ابدأ اليوم بمراجعة استراتيجيتك، واستبدل جداول التدريب الجامدة بمسارات تحول مرنة ومستمرة، فالمستقبل ينتمي لمن يمتلك الجرأة على التعلم المستمر وإعادة التموضع بذكاء.
الدورة حدث مؤقت ينتهي بانتهاء الوقت؛ أما رحلة التحول، فهي عملية مستمرة تهدف لتغيير السلوك والنتائج على الأمد الطويل.
ابدأ بدمج مهارات الذكاء العاطفي في الاجتماعات الدورية واستخدم مصادر التعلم المفتوحة لتعزيز الوعي الذاتي.
نعم، بل هي ضرورية؛ فالمهارات التقنية تمنح البداية، لكن الذكاء العاطفي هو ما يضمن الاستمرارية والقيادة الفعالة.
هذا المقال من إعداد المدربة عبير المنهالي، كوتش معتمد من ITOT.
ITOT
مساعدة
تسجيل الدخول
© 2026 Illaftrainoftrainers