هل سبق وتساءلت عن السبب الذي يجعلنا نتذكر معلِّمينا خفيفي الظل أكثر من غيرهم؟ ولماذا يبقى أسلوبهم الطريف محفور في ذاكرتنا حتى بعد مضي سنوات طويلة؟ تُعد الفكاهة أسلوباً غير تقليدي يعزز فعالية التدريب؛ إذ تشير أبحاث أجرتها مؤسسات مرموقة مثل: "وارتون" (Wartorn)، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، و"كلية لندن للأعمال" (London Business School) إلى أنَّ الضحك يخفف التوتر والملل، ويعزز المشاركة، ويحفز الإبداع والتعاون.
بالتالي، كيف يمكن للمدربين استخدام الفكاهة كأداة استراتيجية لتعزيز نتائج التدريب في عام 2025 وما بعده؟ هذا ما سنستعرضه في السطور التالية.
تحمل الفكاهة في التدريب فوائد جمّة، وفي ما يلي، 3 منها:
لعلَّ التوتر من أبرز المعوقات التي تواجه المتدربين، لا سيّما في البيئات المهنية أو الرسمية؛ إذ غالباً ما يتعرَّضون للضغط النفسي في التدريب التقليدي نتيجة التوقعات العالية أو الخوف من الفشل، وهنا يأتي دور الدعابة بوصفها أداة فسيولوجية فعالة تُخفف من حدة هذا التوتر. وفي ما يلي، دراستان تُثبِتان ذلك:
تؤدي الفكاهة دوراً هامّاً في إنشاء تجارب تعلم ممتعة تبقى محفورةً في الذاكرة، بعيداً عن الجمود والرتابة التي تطغى على أساليب التدريب التقليدية، والتي لا تجذب انتباه المتدربين، مما يقوّض رغبتهم في المشاركة، ويضعف قدرتهم على الاحتفاظ بالمعلومات.
على الجانب الآخر، تشجع الفكاهة على التفاعل، وتنشئ بيئةً تعليميةً إيجابيةً تُعزز الاهتمام بالمحتوى والدافعية الذاتية للتعلم. فحين تُوظَّف الفكاهة بذكاء، تتحول الجلسات التدريبية من مجرد "واجب ممل" إلى تجربة تفاعلية مُلهمة تُشجع على المشاركة النشطة، وتُساعد في ترسيخ المفاهيم، مما يسهم في تحقيق نتائج تدريبية فعالة ومؤثرة.
وهذا ما يميز برامج التدريب لعام 2025؛ إذ لم يعُد التعلم مفروضاً بل مرغوباً، وكانت الفكاهة من أهمّ أسباب هذا التحوّل.
يعاني المتدربون عادةً من تشتّت الانتباه، لا سيّما في الدورات الطويلة أو التي تتناول معلومات تقنية كثيفة، بيد أنَّ الفكاهة طريقة فعالة لإعادة جذب الانتباه وزيادة التركيز.
كشفت دراسة أجراها الباحثان التركيان "فاتح إيردوغدو" (Fatih Erdoğdu) و"أونال جاكرأوغلو" (Ünal Çakıroğlu) عن أنَّ الفكاهة في بيئات التعلم تعزز انتباه المتدربين وتحفزهم، وتؤدي إلى زيادة التركيز والاحتفاظ بالمعلومات.
علاوةً على ذلك، يسهم المزاح في الوقت المناسب في كسر الرتابة وتجديد النشاط الذهني الناتج عن الضحك، فيصبح المتدربون أكثر استعداداً للتركيز على المعلومات وفهمها في ظل بيئة تعليمية إيجابية.

يبقى المدرب الذي يتمتع بحس الدعابة الأقرب إلى قلوب المتدربين، ويُضفي جواً من الأنس في بيئة التعلم من خلال ما يلي:
لا يقوم التعلم على تلقّي المعلومات فحسب، بل على العلاقات الإنسانية التي تُبنى من خلاله، وتبقى الفكاهة من أكثر الوسائل فعاليةً في بنائها، وإضفاء طابع إنساني على تجربة التدريب. كما وتُعد العلاقة بين المدرب والمتدربين أساس نجاح برامج التدريب، وحين تُستخدَم الفكاهة بذكاء، فإنَّها تعزز الثقة والاحترام المتبادل.
حين يستخدم المدربون الفكاهة بطريقة تعكس شخصيتهم وأسلوبهم الطبيعي في التواصل، يُضفي ذلك طابعاً عفوياً على جلسات التدريب، مما يعزز تفاعل المتدربين ومشاركتهم؛ إذ لا تقتصر فوائد هذا النوع من المزاح الصادق على إضحاك المشاركين فحسب؛ بل يسهم في بناء الثقة، وتعزيز شعور المتدربين بالراحة والأمان، وبالتالي زيادة المشاركة، وفهم المحتوى، والاحتفاظ بالمعلومات.
يفضِّل المتدربون المدرب الذي لا يتعامل بصرامة وجدية مفرطة، بل يتمتع بروح مرحة كاسراً حاجز الرسمية؛ إذ إنَّ الفكاهة أداة فعالة في تقوية العلاقة بين الطرفين؛ لأنَّها تُظهر الجانب الإنساني من المدرب، مما يؤدي إلى إرساء بيئة تعليمية إيجابية تقوم على الثقة.
وعندما يشعر المتدربون بالارتياح تجاه المدرب، يتشجعون على المشاركة وطرح الأسئلة وطلب المساعدة دون تردد؛ إذ تُرسل الدعابة رسالة غير مباشرة مفادها أنَّ الصف ليس مكاناً للتعلم فقط؛ بل مساحة للتفاعل الإنساني والضحك المشترك، مما يجعل التجربة التعليمية جذابة وممتعة أكثر.
يُظهر بحث في مجلة "تيتشينغ أند تيتشر إيديوكيشن" (Teaching and Teacher Education)، أنَّ الفكاهة حين تُستخدَم باعتدال، تعزز مصداقية المدرب، وتبني الألفة بين المتدربين، والتي تُعد من الفوائد الهامة للفكاهة في التعلم.

من الفوائد الأخرى للفكاهة في التدريب الاحتفاظ بالمعلومات وزيادة الإبداع، والذي يتجلى من خلال ما يلي:
لعلَّ من أكبر التحديات التي تواجه المتدربين هو الاحتفاظ بالمعلومات، وتؤدي الفكاهة دوراً هاماً في حل هذه المشكلة؛ نظراً لأنَّها تُحفِّز نظام المكافأة في الدماغ القائم على إفراز هرمون الدوبامين، مما يزيد قدرة المتدربين على تذكر المعلومات، لأنَّ أدمغتهم تربط المحتوى بالمشاعر الإيجابية.
في كتاب "أهمية الضحك: علاقة الفكاهة بالتعلم" (Laughing Matters: Humor and Learning)، يكشف الباحثون عن دور الفكاهة في تعزيز الاحتفاظ بالمعلومات، وذلك عن طريق تنشيط عدة أجزاء من الدماغ في نفس الوقت، مما يسهم في تحسين القدرة على التذكر على الأمد الطويل.
بالإضافة إلى ذلك، تساعد الفكاهة في تبسيط المفاهيم المعقدة من خلال تقسيمها إلى أجزاء صغيرة يسهل فهمها. يمكن استخدام الوسائل التالية في ذلك:
لا شكّ بأنَّ الفكاهة بحد ذاتها صورة من صور الإبداع؛ لأنَّها تكسر القواعد السائدة وتتجاوز التوقعات التقليدية؛ إذ يقوم الإبداع والفكاهة على الربط بين عناصر غير مترابطة، وهو أساس "التفكير المتباين".
تحفز الفكاهة عمليات ذهنية تُعزز التفكير الإبداعي، فهي تبرز التناقض بين مفهومين، وتُنمِّي القدرة على الربط بينهما. بعبارة أخرى، تهيئ الفكاهة عقولنا لتبنِّي أنماط غير تقليدية في التفكير تساعد المتدربين في حل المشكلات وفهم المعلومات المعقدة بسهولة، وذلك من خلال استكشاف زوايا جديدة، وبناء روابط مبتكرة بين المفاهيم.
عبَّر رجل الأعمال "أندرو كارنيجي" (Andrew Carnegie) عن أهمية الفكاهة في التدريب خير تعبير بقوله: "يقلّ النجاح حيث يقل الضحك".
قد يقلل بعض الناس من شأن الفكاهة في التدريب، لكنَّها في الواقع استثمار ذكي في تجربة التعلم، ولها فوائد جمة مثل: تعزيز المعنويات، والاحتفاظ بالمعلومات، وإرساء بيئة تعليمية إيجابية تسهم في تقليل توتر المتدربين، وزيادة إبداعهم.
هل ما زلت تعتقد أنَّ للفكاهة دور ثانوي في تحسين الدورات التدريبية؟ شاركنا رأيك في التعليقات.
هذا المقال من إعداد المدربة منال كامل، كوتش معتمد من ITOT
ITOT
مساعدة
تسجيل الدخول
© 2026 Illaftrainoftrainers